يزيد بن محمد الأزدي
95
تاريخ الموصل
إليه ، فتحول مسلم بن عقيل حينئذ من الدار التي كان فيها إلى منزل هانئ بن عروة المرادي ، وكتب مسلم إلى الحسين ببيعة اثنى عشر ألفا من أهل الكوفة ، ويأمره بالقدوم ، ثم دخل على عبيد الله بن زياد جماعة من وجوه أهل الكوفة ، فقال : ما بال هانئ بن عروة لم يأتني ؟ ! فأخبروا هانئا فانطلق إليه فقال : يا هانئ ، أين مسلم ؟ قال : لا أدرى ؛ فقال عبيد الله لمولاه الذي أعطاه الدراهم : اخرج ، فخرج ، فلما رآه قال : أصلح الله الأمير ! والله ما دعوته إلى منزلي ، ولكنه جاء فطرح نفسه علىّ ، قال : ائتني به ، قال : والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ، فضربه على حاجبه فشجه ، ثم حبسه فنادى مسلم أصحابه ؛ فاجتمع إليه من أهل الكوفة أربعة آلاف ، فمضى بهم إلى القصر ، فأشرف أصحاب عبيد الله على أهاليهم يعدونهم ويقولون : غدا يأتيكم جنود الشام ، فتسللوا فما اختلط الظلام حتى بقي مسلم وحده ، فأوى إلى امرأة ، فعلم به ابنها ، وكان عبيد الله قد نادى : إنه من وجد في داره فقد برئت منه الذمة ، ومن جاء به فله ديته ، فأخبر به ، فبعث عبيد الله إليه صاحب الشرطة عمرو بن حريث ومعه عبد الرحمن بن محمد الأشعث ، فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم ، فأعطاه عبد الرحمن الأمان ، فأمكنه من يده ، فحملوه على بغلة وانتزعوا سيفه منه ، فقال : هذا أول الغدر وبكى ، فقيل له : من يطلب مثل هذا الذي تطلب إذا نزل به مثل هذا لم يبك ، فقال : والله ما أبكى على نفسي ، بل على حسين وآل حسين ، ثم التفت إلى عبد الرحمن فقال : هل يستطيع أن يبعث من عندك رجلا على لساني ، يبلغ حسينا ؛ فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم ، فيقول له : ارجع ولا تغتر بأهل الكوفة ، فبعث رجلا فلقى الحسين بزبالة ، فأخبره الخبر ، فقال : كل ما حم نازل ، ولما جيء بمسلم إلى عبيد الله بن زياد أخبره عبد الرحمن أنه قد أمنه فقال : ما أنت والأمان ؟ ! إنما بعثناك لتجيء به لا لتؤمنه ، فأمر به فأصعد إلى أعلى القصر ، فضربت عنقه وألقى جثته إلى الناس ، وأمر بهانئ فقتل في السوق وسحب إلى الكناسة ، فصلب هناك . وقال شاعرهم في ذلك : فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السّوق وابن عقيل تري جسدا قد غيّر الموت لونه * ونضح دم قد سال كلّ مسيل أصابهما أمر الإمام فأصبحا * أحاديث من يسعى بكلّ سبيل وفي رواية أخرى : أن الحسين لما خرج من المدينة قيل له : لو تجنبت الطريق كما فعل ابن الزبير ؛ لأجل الطلب ، قال : لا والله ، لا أفارقها حتى يقضى الله ما أحب ، فاستقبله عبد الله بن مطيع فقال له : جعلت فداك ! أين تريد ؟ قال : أما الآن فمكة ، وما بعدها ؛ فإني